26 مارس 2011 - 19:30

كشفت وثائق دبلوماسية أمريكية سرية سُربت إلى موقع ويكيليكس عن الأهمية المتفردة بسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم دام ظله الوراف من قبل رؤوس السلطة في البحرين والإدارة الأمريكية، عبر متابعة تحركاته وكلماته والفعاليات والأنشطة التي يقوم بزيارتها أو التحدث خلالها، حيث أظهرت أكثر من وثقية اسمه مؤكداً أنه الأب الروحي للطائفة الشيعية في البحرين، والقلق الذي يثيره سماحته حفظه الله لهم عبر أكثر من وثيقة ستيم عرضها تباعاً على الصفحة.. فمنذ عودتهِ من الجمهورية الإسلامية، أصبح آية الله قاسم يشكل لغزاً لا يمكن حله لدى الأنظمة المحلية والأقليمية والدولية، لما يمتلكه من وعي وحكمة وتريث في قيادة دفة العملية السياسية والدينية والإجتماعية.

ابنا : الأضواء رغم أنها لا تسلط كثيراً على سماحته من النظام إلا أن الترقب بين اللحظة والأخرى كان موجهاً إلى مكتب البيان، أو منبر جامع الإمام الصادق عليه السلام في قرية الدراز، وهنالك أكثر من محلل نفسي ولغوي يحاول ترجمة سطور وما بين سطور آية الله قاسم في كل خطاب أو ظهور في مختلف الفعاليات والأنشطة.

وبدا جلياً أن النهج الإسلامي الذي يمضي عليه قدماً لا يصب في مصلحة الأنظمة الرسمية، ولم يكن وعيه السياسي السلمي مرضياً إلى شغف بعض الشباب وحماسته في المطالبة الشرعية بالحقوق، رغم إلحاحه المستمر للأفراد والجمعيات بالخروج سلمياً للمطالبة الحضارية في مسيرات وليس مسيرة واحدة، ما جعل العاملين وراء بالدفع بورقة تراجع سماحته عن المطالبة والتي يعتقدون أن من شأنها شق صف جماهيره الضخمة في البحرين.

السلطة الرسمية في البحرين لم تقف صامتة أمام وعيه، حيث استعانت بكافة الأوراق والأدوات القادرة على إطفاء شمس هذا العالم الجليل والذي يتمتع بمكانه خاصة في قلوب أبناء الشعب، وقامت بأكثر من خطوة أقل ما يقال عنها غبية في تأجيج الشارع عبر وسائل الإعلام وعبر أبواق تعمل ليلاً ونهاراً للنيل من سماحته حفظه الله، وعبر أجهزة تدفع بأكثر من مشروع قانون يخالف الأحكام الشرعية مثل قانون الأحوال الشخصية أو قانون مكبرات الصوت الذي يؤسس لاخفات صوت المآتم والحسينيات، لكن سماحته تصدى لكل ذلك بوعيٍ سياسي وديني.

هذا الإلتزام المتشدد من آية الله قاسم بالأحكام الشرعية جعل النظام يتخوف من كلماته، وصلته الوثيقة بمرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي زادت من هذه المخاوف لدى السلطة في البحرين، في ظل الزيادة العددية للطائفة الشيعية والقاعدة الجماهيرية الكبيرة التي يمتلكها آية الله قاسم وعودة معظهم عقائدياً إلى مرجعية آية الله خامنئي تحت مسماه "ولي أمر المسلمين" أو "السيد القائد".

وبالرغم من الدعوات الحثيثة من آية الله قاسم إلى الحوار الجاد عبر أكثر من كلمة موجهة إلى النظام، إلا أن الاعتقاد بإمكانية توصل البحرين إلى حلّ للأزمة التي طالت وتفاقمت أخيراً يعدّ ضرباً من الخيال، خصوصاً وأن وثائق ويكيليكس المسربة من السفارة الأميركية في المنامة توضح الشرخ بين الحكومة والطائفة الشيعية، وأظهرت أنّ جذور الأزمة ليست مرتبطة بغياب عامل الثقة بين الدولة ومعارضيها فقط، بل بين الدولة بمختلف أركانها وأكثر من ثلثي سكانها من ذوي المذهب الشيعي.

وادعت الوثائق أن الشيعة في البحرين يتأثرون بشيعة الخارج، فهم يصرّون على العودة إلى مرجعيتهم الدينية خارج البحرين لحسم رأيهم في بعض القضايا الداخلية، وبينها قانون الأسرة البحريني الذي رفض الشيخ عيسى قاسم الموافقة عليه قبل أن يطّلع عليه آية الله علي السيستاني، مع ما يحمله الاستئناس الدائم لعيسى بالسيستاني من دحض لادعاءات الحكومة بارتباط الشيعة بإيران.

کما أعلنت وثیقة رقم (05MANAMA270)  في موقع ویکیلیکس التالعة لمؤسسات أمریکیة أنّ الشيعة يتعمّدون في البحرين -وفقاً للقيادة البحرينية- استفزاز الحكومة حيث أنهم يرفعون أعلام قيادات غير بحرينية في مسيراتهم وخلال مآتمهم العاشورائية  بدءاً بصور الراحل الخميني، مروراً بخامنئي والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، كذلك يرفعون أعلام حزب الله اللبناني، وهو أمر يستفزّ الحكومة ما دامت ترى في هذه القيادات غير البحرينية، وتحديداً السيد علي خامنئي، مجرد زعيم سياسي لبلد مجاور وليس زعيماً دينياً.

وانطلاقاً من هذه الهواجس يصبح التشكيك في ولاء الشيعة أمراً حتمياً، وهو ما دفع الملك البحريني حمد بن عيسى آل خليفة إلى التعبير عن عدم ثقته بمواطنيه الشيعة أمام الأميركيين، وفقاً لما كشفته وثيقة تحمل الرقم (06MANAMA891). واستناداً إلى محضر الوثيقة، أبلغ الملك السفير الأميركي السابق في البحرين جوني يونغ خلال زيارة الأخير المنامة أنه "لا يستطيع الوثوق بالسكان البحرينيين الشيعة، على أنهم شركاء كاملون ومتساوون في العملية السياسية لأن علاقتهم بإيران قوية جداً"، فيما علّق السفير الأميركي في المنامة وليام مونرو على حديث حمد بالقول، "الملك يواجه معضلة؛ يؤمن بالإصلاح واستهلك رأسمال سياسياً لتعزيز سياسات في سبيل الانفتاح والالتزام بالمعايير الدولية، لكنه قلق من تبعات المشاركة الواسعة النطاق للمعارضة في الانتخابات، وإمكانية وجود كتلة معارضة شيعية في مجلس النواب".

بدوره، أكّد ولي العهد (05MANAMA544) أن الحكومة على دراية بدعوات الشيعة إلى اندماجهم في قوات الدفاع البحرينية ووزارة الداخلية، مبرراً عدم أخذ مطالبهم بعين الاعتبار بالقول "لكن قيادات قوات الدفاع البحرينية ووزارة الداخلية تكون ردود فعلهم سلبية عندما يرون رجل الدين، الشيخ عيسى قاسم يتحدث ومن خلفه صورة لخامنئي، الذي يعدّونه زعيماً أجنبياً". ويضيف "رسالة وحدة وطنية يجب أن تخرج، البحرين عملت بصعوبة لكي لا تكون تابعة للسعودية، ونحن بالتأكيد لن ندع أنفسنا نصبح تابعين لإيران".

أما الملك البحريني، فرأى في وثيقة تحمل الرقم (06MANAMA409) أنّ "العديد من الشيعة يتذمرون من عدم وجود شيعة في القيادة العسكرية للبلاد"، قبل أن يضيف "ما دام خامنئي لديه صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، يجب أن تقلق البحرين من ولاء الشيعة الذين يحافظون على علاقات وولاء مع إيران". وفي السياق نفسه، أبدى الرئيس الحالي لكتلة الأصالة البرلمانية غانم البوعينين في الوثيقة (07MANAMA224) " شكوكاً خاصة بالشيخ عيسى قاسم" الذي يعدّ أبرز علماء الدين المؤثرين في البحرين، ولم يتوان في وثيقة ثانية عن وصفه بـ"العميل لإيران".

وأظهرت وثيقة صادرة عن السفارة الأميركية في المنامة (05MANAMA270) بتاريخ 28 شباط/ فبراير 2008، أن وزير الدولة في وزارة الخارجية، محمد عبد الغفار، استدعى السفير الأميركي، وليام تي مونرو، قبلها بيوم، للإعراب عن انتقاده للتدخل الإيراني في البحرين. وخلال اللقاء أوضح عبد الغفار أنّ "عيسى قاسم عميل لإيران، يرى أن ايران يجب أن تحكم كل مكان في المنطقة"، مضيفاً "إنه رجل خطير جداً".

وفي وثيقة ثانية (05MANAMA344) بتاريخ 8 آذار/ مارس، انتقد وزير الخارجية، محمد بن مبارك آل خليفة، "وضع المرافقين الشخصيين لقاسم كأنه وجه سياسي وليس دينياً"، فيما رأى وزير الديوان الملكي، الشيخ خالد بن محمد آل خليفة، أن أحد أسباب التردّد الدائم لقاسم إلى إيران "التودّد إلى التسلسل الهرمي الديني في إيران آملاً أن يغدق عليه بلقب ديني أعلى"، مضيفاً أنّ هدف قاسم ليس الحصول على لقب آية الله، بل ولاية الفقيه، وهو أمر أبدى خالد شكوكاً في أنه لن يحصل أبداً.

أما نائب رئيس مجلس الوزراء الحالي، جواد العريض، فقال (07MANAMA13) إن قاسم "عنيد بنحو لا يصدق". ولعل الانتقادات الموجهة إلى الشيخ عيسى قاسم تعدّ ثانوية إذا ما قورنت بلجوء وزراء في الحكومة البحرينية إلى التحريض على مواطنيها أمام الولايات المتحدة الأميركية